محمد محمد أبو ليلة

39

القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي

على الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، أو إنهم اعتقدوا في أنفسهم أن القرآن لو نزل جملة واحدة ، لاستطاعوا أن يواجهوه مرة واحدة ، وأن يجتمعوا له ، وينتصروا من ثمّ على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ أما أن يتجدد التنزيل ويتواكب عليهم بالدعوة والرد والمعارضة ، ويتجدد لذلك الإيمان في قلوب أتباع محمد بتجدد نزوله ، ويكسبه مؤيدين دائما ، فهذا ما لا يستطيعون صدّه ولا ردّه . كذلك يمكن أن يقال ربما فكر الكفار في أنه لو نزل القرآن جملة في كتاب أو ألواح ، لأمكنهم أن يتضافروا على اغتصابها وحرقها ، كما حدث لبعض كتب الأنبياء السابقين . ويرد اللّه تعالى على اعتراض الكافرين على طريقة نزول القرآن بقوله بأنه إنما أنزله منجّما ، الآيات بعد الآيات ، ليثبت به قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ، في وجه الأزمات والمعارضات والمضايقات ، وأيضا ليثبت به تلك الآيات في قلبه حفظا ، إذا لو أعطاه اللّه القرآن جملة ، لصعب عليه حفظه ، وشغل جميع وقته في قراءته واستظهاره ، وشغلته العناية بضبط القرآن واستظهاره عن بناء الدولة ، وتشكيل الأمة ، ورعاية مصالح المسلمين ، ولاحتاج النبي صلى اللّه عليه وسلم في تحصيل ذلك إلى معونة غيره ، ممن يعرف القراءة والكتابة ، وهذا يفتح باب الشّبهة ويوسّع للكفار ويمهد لهم الطريق إلى القدح في القرآن ، والطعن في النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان أميا ، فناسب كذلك أن ينزل عليه القرآن منطوقا ، لا مكتوبا ، وأن ينزل عليه منجما ، ومرتبا حسب النوازل والحوادث ، وأيضا بحسب طاقة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه كان يعاني من التنزيل شدة ، ولا يمكن أن يقال إنه كان بمقدور اللّه أن ينقش القرآن في قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم وذاكرته ؛ فهذا بخلاف ما رتب اللّه عليه طبائع الأشياء ؛ وإلا ففي قدرة اللّه أن يدخل الجنة بلا تكليف ، وأن ينشئ الذرية بلا تزويج ، وأن يغذّى بلا طعام ، ويروي بلا شراب ، ويشفى بلا دواء ، وينضج بلا نار . . . الخ . وحتى لو نقش اللّه القرآن في قلب محمد صلى اللّه عليه وسلم ما انقطع بذلك لجاج المشركين ، بل ربما ازدادوا عتوّا ونفورا ، وكبرا وصدودا . أشار ويلش فيما أشار إلى قوله تعالى : فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ( 18 ) ، وفهم أن اللّه تعالى هو القارئ للقرآن بنص هذه الآية . والصحيح أن القارئ هو جبريل عليه السلام ، ولكن اللّه أسند القراءة إلى نفسه ، لتكون بمثابة الدليل على صدق جبريل فيما نقله عن اللّه ؛ فالقرآن كلام اللّه المسموع أولا من جبريل ؛ ثم من محمد ؛ ثم من الصحابة ؛ ثم ممن جاء